وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

كتب صفوان قدسي
الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي
عضو القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية
يأخذ علينا بعض ممن يهرفون بما لا يعرفون ، هذه الأحاديث المتتابعة عن الجبهة الوطنية التقدمية ، ويتساءلون في جملة ما يتساءلون ، جهلا وقلَّة دراية ، عن هذه الصيغة المتقدمة للعمل السياسي ، وكأنها مخلوق عجائبي هبط علينا من كوكب من كواكب هذه المجرَّات .
نقول لهؤلاء المتخرِّصين الذين ينفثون أحقادهم وسمومهم من دون أن يعلموا أنها أحقاد وسموم سرعان ما تتبدد وتؤول إلى زوال ، لأن الجبهة هي الإبنة الشرعية للحياة السياسية السورية ، وهي التعبير الأمثل عن التعددية الحزبية والسياسية ، والطريق القويم إلى تجسيد الوحدة الوطنية في أرقى أشكالها ، وممارسة الديمقراطية غير المستوردة من هنا أو هناك ، وغير المصنَّعة والمصدَّرة إلينا من هذا الصقع أو ذاك من أصقاع الأرض .
وأنا أمتلك من الزاد الفكري والثقافي والسياسي ما يمنحني الشرعية الاعتبارية لأوجِّه طلقة في اتجاه هؤلاء الموصوفين بأنهم إمَّا جهلة أو مشعوذون أو نصَّابون أو مأجورون .
هذه الطلقة التي يجهلون أو يتجاهلون معناها ومغزاها ، هي أن الأفكار التي تولد في القطب الشمالي ، سرعان ما تذوب وتتبخر عندما يتِّم نقلها إلى خط الاستواء . بمعنى أن ما يصلح لمجتمع من المجتمعات ، لا يصلح بالضرورة لغيره من المجتمعات . وبالتالي فإن الأفكار الصالحة للتطبيق هي تلك التي تعبِّر عن شخصية الأمَّة وخصوصيتها التي لا تتشابه بالضرورة مع خصوصيات أمم أخرى .
حتى العولمة التي جرى تصنيعها في مختبرات المخابرات المركزية الأمريكية ، وجرى نقلها وتصديرها إلى مجتمعات أخرى ، بدأت بالانحسار والاضمحلال بحسبانها عملية مفبركة يُراد منها أمركة العالم ، وإلغاء ثقافات تلك المجتمعات وخصوصياتها ، ومنها مجتمعاتنا العربية بكل تأكيد . وحتى الذين ألَّفوا عنها كتبا ومجلدات ، اعترفوا في لحظة ما بأن العولمة مهما علا شأنها ، وانتشرت فلسفاتها ، وذاع صيتها ، فإنها ليست سوى بضاعة فاسدة يتعذر تصديرها وتعميمها وتجذيرها في مجتمعات ليست مستعدة ، ولا مؤهَّلة لاستيعاب هذه البضاعة وتخزينها في أوعية الوعي التي تمتلكها الشعوب الأخرى . والذين قرؤوا اعترافات وتراجعات وانكفاءات المفكر الأمريكي ( فوكوياما) ، مؤلف الكتاب الذائع الصيت والذي جرى الترويج له وتسويقه لعدد كبير من السنوات ، وأعني به كتاب
( نهاية التاريخ ) ، والذي
قصد فيه المؤلف إلى أن التاريخ قد بلغ الذروة التي حققت أهدافه وغاياته ، من خلال النظام الرأسمالي الأمريكي ، وعالم القيم الذي أصبح الحاكم بأمره في الولايات المتحدة الأمريكية ،
يذكرون ويتذكرون كيف أن هذا المفكر قد أعلن انسحابه من كل هذا الذي كتبه ، وأقرَّ إقرارا صريحا لا لبس فيه بأنه ارتكب خطايا فكرية فاضحة ، وأن كل هذا الذي أشاعه وروَّج له من أفكار لا يعدو أن يكون تعبيرا عن رغبات ذاتية لا صلة لها ولا علاقة بالحقائق الموضوعية .
أوجز فأقول إن هذه الحركة النشطة التي قامت بها قيادة الجبهة في الآونة الأخيرة ، سوف تكون لها مفاعيلها وارتداداتها الفاعلة والمؤثرة على طريق توطيد حضور الجبهة في حياة البلاد ، وعلى تفعيل دور أحزابها من خلال نشاطاتها الذاتية ، مضافا إليها عودة الوعي بأهمية هذه الأحزاب العريقة التي لها جذور عميقة في تاريخ سورية وجغرافيتها .
وحين تكلمنا مرات ومرات عن أن لحظة طارئة وعابرة ومؤقتة ، بالمعنى التاريخي لكلمة اللحظة ، وليس بالمعنى الزمني ، هي التي فعلت فعلها السلبي في إخفاء حضور الجبهة وأحزابها ردحا من الزمن ، فإنما كان قصدنا أن نقول إنه بانقضاء هذه اللحظة
فإن ما جرى إخفاؤه سوف يعود لامحالة إلى الظهور ، لأن الجبهة وأحزابها ليس سلعة سرعان ما تختفي من الأسواق ، اللهم إلا إذا كان اختفاؤها بفعل فاعل .
وحين نكون واثقين الثقة كلها في أن الرئيس بشار الأسد هو الأكثر منا إدراكا وعلما ودراية بهذه الحقائق ، فإننا نستطيع أن نفهم ونتفهَّم هذا الذي جرى في الشهور القليلة الماضية ، والتي ستأخذنا مما كنا فيه ، إلى ما ينبغي أن نصير إليه ، والذي بدأت تباشيره تلوح في الأفق ، علما بأن الجبهة وأحزابها لن تتوقف عن متابعة حركتها وتحركها ، بحماسة منقطعة النظير أبداها وما زال يبديها نائب رئيس الجبهة ، اللواء محمد ابراهيم الشعار ، والأمناء العامون لأحزابها ، على طريق الوصول إلى الأغراض الوطنية المنشودة .
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

٧ سبتمبر · تم النشر في صفحة الجبهة الوطنية التقدمية على الفيسبوك

الاثنين 18 تشرين ثاني 2019