الهرطقة الفكرية والزندقة السياسية

كتبَ صفوان القدسي
الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي
عضو القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية:
نستأنف من حيث وصلنا فنقول إن ما هو مطلوب الآن منَّا ومرغوب ، تخليق الثقافة الجبهوية ، وذلك انطلاقا من قناعة توصلنا إليها ، وهي أن الثقافة الجبهوية لم تكن موجودة أساسا . بمعنى أنها لم تكن غائبة ولا مغيَّبة فحسب ، وإنما لم يكن لها وجود في الأصل وفي الأساس ، حيث إننا جميعا ، ومن دون استثناء ، تركنا الحبل على غاربه
حين غلب الظن علينا بأنه ما دامت الجبهة موجودة ، مؤسسةً وأحزابا ، فإن إدراك أهمية هذا الإنجاز النوعي كان مجرد تحصيل حاصل ، من حيث أن هذا الإنجاز كان قادرا من تلقاء ذاته على أن يخلق وعيا حقيقيا بحقيقة الجبهة بحسبانها صيغة متقدمة للعمل السياسي ، تحمل في اسمها وذاتها ما يكفي لتأكيد وجودها وحضورها في حياة البلاد . لكن ذلك كان خطأ كبيرا نتشارك جميعا في ارتكابه ، فكان ذاك الذي هو كائن من انعدام هذه الثقافة التي هي الأساس الضابط لوجود الجبهة ، فعلا وتأثيرا على أرض الواقع .
ولكي لا نذهب بعيدا وعميقا في متاهات قد تبدو لبعض منا مجرد متاهات لغوية ، أو حتى نظرية وافتراضية في أحسن الأحوال ، فإن علينا الآن أن نبدأ من حيث كان علينا أن ننتهي ، وهو الشروع في تخليق الثقافة الجبهوية ، على طريق تأسيسها وترسيخها وتجذيرها في حياتنا الفكرية والسياسية . وحين نقيم جسورا موصولة ، ونشقُّ طرقا ممدودة ، بين ما هو فكري وما هو سياسي ، فإنما نقصد إلى القول بكلمات موجزة ومختزلة ، إن الجبهة ليست إنجازا سياسيا فحسب ، وإنما هي في الوقت نفسه إنجاز فكري بامتياز ، من حيث هي نقلة نوعية في طرائق تفكيرنا التي كانت تقوم على الوحدانية والتفرد والإقصاء ، وذلك في لحظة غابرة من حياتنا وعابرة ، لتصير إلى أن تقوم على الاعتراف بوجود الآخر ، من حيث خصوصيته الفكرية ومنابعه النظرية ، وصولا إلى البحث عن القواسم المشتركة التي تجعلنا نتلاقى على أهداف سياسية نتشارك حولها وصولا إلى ما يوحِّدنا وينأى بنا عن أي خلاف ، أو حتى اختلاف ، حول الاستراتيجيات الوطنية الكبرى ، والغايات القومية العليا .
ذلكم بعض مما نحاوله الآن ونسعى إليه ، واثقين الثقة كلها في أن الرئيس بشار الأسد
يدفع هذه المحاولة وذاك السعي ، إلى حيث ينبغي لهما أن يصلا ، وهو أن نستعيد وعينا ليس بأهمية هذه الصيغة فحسب ، وإنما بضرورتها القصوى ، خصوصا في هذه اللحظة الضاغطة التي سوف تؤول لا محالة إلى زوال ، لتتعافى سوريةمن مرضًٍ ألَمَّ بها بفعل فاعل ، وبعض من هذا الفاعل هو الجغرافيا التي كان ديغول يقول إنه لكي تفهم أية واقعة سياسية ، فإن عليك أن تعلِّق الخريطة على الجدار . وبعض آخر من هذا الفاعل هو الدور القومي الذي جعل من سورية قوة فاعلة ومؤثرة .
وحين تتحرك الجبهة ، مؤسسة وأحزابا ، على امتداد خريطة البلاد ، ووفق رؤية واضحة يمتلكها نائب رئيس الجبهة اللواء محمد إبراهيم الشعار ، ويستجيب لها ، ويتفاعل معها ، بإيجابية غير محدودة ، الأمناء العامون لأحزاب الجبهة ، فإن ذلك يومئ ويشير إلى أن الجبهة وأحزابها ، لا بدَّ لها من أن يكون لها في حياة البلاد شأن تؤهلها له قدراتها الذاتية التي بدت في لحظة معينة قدرات غير منظورة ، لكنها كانت موجودة ، بالحق والحقيقة ، على أرض الواقع . وأي كلام آخر لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال اللغو واللغط الذي
لا ينفع ولا يفيد ، إن لم نطلق عليه وصفا أشمل وأوسع ، وهو أنه شكل من أشكال الهرطقة الفكرية والزندقة السياسية .

٢٢ سبتمبر تم النشر في صفحة الجبهة الوطنية التقدمية على الفيسبوك

الاثنين 18 تشرين ثاني 2019