تخليق الثقافة الجبهوية

تخليق الثقافة الجبهوية
كتب صفوان القدسي : الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي - عضو القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية
مشكلة غياب الثقافة الجبهوية ، أو ضَعفُها في الأقل الأقل ، أو حتى تغييبها ، ليست مشكلة مستجدة حيث إن جذورها تمتد إلى سنوات مضت وانقضت ، وكانت بداياتها المبكرة مع الإعلان عن تأسيس الجبهة الوطنية التقدمية في 7 آذار من عام 1972 ، أي بعد قيام حافظ الأسد بحمل وتحمُّل مسؤولياته الوطنية والقومية بأكثر من عامين اثنين بقليل .
وفي التعمق في قراءة غياب الثقافة الجبهوية أو ضعفها أو حتى تغييبها ، لا بد من قراءة المشهد السياسي قبل قيام الحركة التصحيحية ، حيث كان المشهد آنذاك مثيرا للشقاق ، بل وللصدام بين وقت وآخر ، بين قوى ، ما يجمعها أكثر مما يفرقها ، وما يجعلها تتلاقى أكبر مما يجعلها تتناءى وتتباعد ، بل وتتصارع ، بصرف النظر عن المشارب والأصول الفكرية والإيديولوجية لكل قوة من هذه القوى .
لكن حافظ الأسد برؤيته البعيدة المدى ، وقدرته على قراءة الواقع قراءة صائبة ، وحنكته في علم من أصعب العلوم وأكثرها تعقيدا وتشابكا ، هو علم الحساب السياسي ، استطاع في لحظة موصوفة بأنها تاريخية ، أن يجعل الجميع يتنادون إلى التوافق على القواسم المشتركة التي توحِّد ولا تفرِّق ، فكانت محصلة ذلك كله ، ولادة الجبهة الوطنية التقدمية التي أدخلت الحياة السياسية السورية في عوالم التعددية الحزبية ، ورحاب الوحدة الوطنية ، واختبار إمكانية ممارسة الديمقراطية السليمة .
لكن العقدة التي استعصت على الحل ، وما زال بعض من هذا الاستعصاء حاضرا في حياتنا الجبهوية ، هي أن الجبهة بصفتها صيغة متقدمة للعمل السياسي ، بقيت بهذا القدر أو ذاك ، وبحسبانها تجربة جديدة ومبتكرة ، غير قادرة على التغلغل عميقا في تلافيف أدمغة الكثيرين منا ، بحيث ظلَّ بعض منا يعيش ذاك الذي كان قائما في حياتنا قبل قيام الجبهة ، من دون أن يمتلك القدرة على الانتقال مما كان ، إلى ما هو كائن ، أو على الأقل ، إلى ما ينبغي له أن يكون.
وأجيز لنفسي ، ولو أن في ذلك قدرا من التجاوز ، أن أبوح بكلام سمعته من القائد الخالد في لقاء ثنائي ، وهو أن فكرة الجبهة استعصت على احتلال موقعها الطبيعي في عقول بعض ممن كان يشغل مواقع متقدمة في البعث والدولة . وكان مما قاله لي شخصيا ، إن الأمر بلغ حدا غير مقبول ، وهو أن تبقى صيغة الجبهة بعيدة عن عقول عدد من قياديي البعث ، ومن بينهم أعضاء في القيادة القطرية آنذاك . وكان من رأيه أن كل ما هو جديد ومبتكر يحتاج إلى فترة زمنية لا ينبغي لها أن تطول ، قبل أن يغدو جزءا لا يتجزأ من المنظومة الفكرية الحاكمة بأمرها .
أقول ذلك كله ، ولدي المزيد مما يمكن أن أضيف ، بغرض الوصول إلى حقيقة مفادها أن الشكوى القائمة من غياب الثقافة الجبهوية ، أو ضعفها على الأقل ، هي شكوى طبيعية في سياق رحلة طويلة لم نبذل فيها ما يكفي من الجهد المجدي ، لتعميم هذه الثقافة وترسيخها وتجذيرها .
ولعل ذلك يفسر الجهد المبذول حاليا ، برعاية ودعم وعناية من الرئيس بشار الأسد ، وبجهد محسوس وملموس من نائب رئيس الجبهة ، اللواء محمد ابراهيم الشعار ، وبتعاون صادق من الأمناء العامين لأحزاب الجبهة ، بغرض استكشاف الوسائل المناسبة ، لمعالجة هذه الثغرة في حياتنا السياسية ، وصولا إلى تخليق ثقافة جبهوية ، أصلها ثابت ، وفرعها في السماء .

١٧ سبتمبر تم النشر في صفحة الجبهة الوطنية التقدمية على الفيسبوك

الاثنين 18 تشرين ثاني 2019