كتبَ صفوان القدسي :
كلام سمعته من نائب رئيس الجبهة الوطنية التقدمية ، اللواء محمد ابراهيم الشعار ، يخص أمتنا التي هي ( وجعلناكم أمة وسطا ) ، بالمعنى الجغرافي لكلمة ( وسط ) ، خلافا لما تذهب إليه الكثرة الكاثرة منا ، من تفسير مقطوع الصلة بالجغرافيا والموقع والموضع ، استدعى إلى ذاكرتي التاريخية أفكارا وفيرة ، منها أن هناك دعوات محمودة ومشكورة إلى إعادة كتابة تاريخنا ، لكن هذه الإعادة لا ينبغي لها أن تنطلق من أفكار مسبقة استقرت في عقولنا ردحا من الزمن حتى جعلتنا نظن أنها أفكار تبلغ مرتبة اليقين بحيث لا يداخلنا الشك في صحتها وصوابها .
كذلك فإن هذه الإعادة لا ينبغي لها أن تستسلم لبعض الكتابات التي وضعها مستشرقون أوروبيون ، ذلك أن هذه الكتابات ليست فوق مستوى الشبهات . إنها كتابات لا تخلو من أغراض سياسية ، أو من أهواء عرقية .
ثم إن هذه الإعادة تستطيع الاستفادة من مناهج الأوروبيين في كتابة تاريخهم ، خصوصا حين تكون هذه المناهج قائمة على
خطة تربوية وعلى هدف قومي ناصع في وضوحه .
ومن يتأمل في تاريخ الأوروبيين فإنه سوف يقع على حقيقة مفادها أن هذا التاريخ لا يخلو بدوره من مثالب وسلبيات . ولو كان من شأن المؤرخين الأوروبيين أن ينصب كل اهتمامهم على هذه المثالب والسلبيات ، لكان من شأن هذا التاريخ المكتوب أن يغدو تاريخا لا يستطيع معه الأوروبيون أن يفاخروا به ، أو أن يشيدوا فوقه صرح نهضتهم الحضارية .
وإذا كان هناك من تستهويه تلك العادة الذميمة القائمة على تصوير التاريخ العربي على أنه تاريخ للقتل السياسي فحسب ، فإن قراءة تاريخ أوروبا سوف تجعلنا نقرر أن القتل السياسي ليس تقليدا عربيا فحسب ، وإنما هو تقليد أوروبي أيضا .
صحيح أن إعادة كتابة التاريخ العربي تبدو مسألة على درجة غير عادية من الأهمية ، لكن الصحيح أيضا هو أن على الذين كلفوا أنفسهم عناء هذه المسؤولية الخطيرة ، أن يحددوا سلفا المناهج التي سوف يعتمدونها للوصول إلى هذا الهدف . ذلك أن الخشية كل الخشية هي أن نستيقظ ذات صباح لنكتشف أننا لم نفعل شيئا أكثر من كتابة مجموعة من الكتب والمجلدات التي لا يملك أحد في نهاية المطاف أن يقرر بصورة جازمة ، ما إذا كانت تقدم التاريخ العربي كما هو في حقيقته ، أم أنها تقدمه بصورة لا تخلو من كثير من العيوب التي تشكو منها كتب التاريخ التي هي بين أيدينا ، إن لم تكن قد أضافت إليها عيوبا فوق عيوب .
وإذا كانت هناك جهود مبذولة لإعادة كتابة التاريخ العربي ، فإن هذه الجهود إنما كانت استجابة لمجموعة تساؤلات يمكن ترتيبها على النحو الآتي :
- ماذا نفعل بتاريخنا ؟.
- هل ندع غيرنا يجمعه ويحفظه؟.
- هل ندعه بين أيدي المستشرقين يفسرونه بطريقة لا تخلو من غرض أو هوى ؟.
- هل نتركه بين أيدي مؤرخين من طراز ( برنارد لويس ) الذي كان يذهب إليه طلابنا فيعطيهم من تاريخنا ما يشاء ، ثم لا يدعهم إلا بعد أن يكون قد أدخل في روع كل واحد منهم ، قدرا ما من أغراضه وأهوائه ، وهو الذي جاهر في أعقاب نكسة حزيران بعدائه العرقي للعرب ، ودفاعه المجنون عن الصهيونية وإسرائيل ؟.
- هل ندعه لمجموعة من المحاولات التي يسعى أصحابها إلى أن يجتهدوا ، فيصيبوا أو يخطئوا ، أو يسعون إلى الأخذ بالتفسيرات والشروح يجري نشرها وتعميمها في هذا المكان أو ذاك ، عن التاريخ العربي ، وهي تفسيرات وشروح لا تخلو من قدر ما من التجني أو الافتعال أو إسقاط مفهومات معاصرة على حالات لا يصح أن تُفهم إلا كما هي ، من دون اصطناع مناهج مفتعلة لتفسيرها والكشف عن دلالاتها ؟.
تلكم مجرد تساؤلات ، لكنها تحتاج إلى إجابات .

الاثنين 09 كانون أول 2019