إحلال الجبهة في موقعها الطبيعي من الحياة السياسية السورية

كتَبَ صفوان القدسي
الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي
عضو القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية:
أعرف أننا جميعا منشغلون بمتابعة الغزو التركي للشمال السوري، لكن هذا الانشغال لا ينبغي له أن يصرفنا عن مسألة أقدِّر أنها ذات خصوصية موصولة بطبيعة النظام السياسي السوري الذي تُعَدُّ الجبهة الوطنية التقدمية جزءا فاعلا فيه من حيث أنها صيغة سياسية متقدمة تحمل عناوين عديدة، منها ما أعدناه وكررناه، وفي المقدمة من هذا المُعاد والمكرر، تعزيز الوحدة الوطنية، وتحقيق التعددية الحزبية، وممارسة الديمقراطية السليمة، ومن حيث أنها الصيغة الواقعية والممكنة في سورية الأسد.
وحين شرعنا في الشهور الماضية، وبدعم ومباركة من الرئيس بشار الأسد، وبتخطيط محكوم بالخبرة والدراية من رجل عجنته التجارب، وصقلته المواقع، وأعني به نائب رئيس الجبهة اللواء محمد ابراهيم الشعار، فإن الهدف المرسوم حمَلَ عنوانا عريضا هو إحلال الجبهة في موقعها الطبيعي من الحياة السياسية السورية، وتنشيط دورتها الدموية، وشحن جسدها بالطاقة، وتزويدها بما هي في حاجة إليه من وسائل تجعلها قادرة على الارتقاء بأدائها إلى المستوى الذي يليق بها وتليق به، فكانت البداية الطبيعية هي عقد اجتماعات أسبوعية يلتقي فيها نائب رئيس الجبهة ويتلاقى مع الأمناء العامين الذين أكدت أحزابهم خلال السنوات العجاف التي كنا نواجه فيها حربا غير مسبوقة، أنها حافظت على
العهد والوعد، وازدادت تمسكا بثوابتها الوطنية والسياسية التي تتطابق مع ميثاق الجبهة ونظامها الأساسي، وعمَّقت حضورها في حياة البلاد، وجذَّرت مواقفها المرئية والمنظورة، ولم تشهد أية اهتزازات ذات اليمين وذات الشمال، وقدَّمت شهداء روَّت دماؤهم أرض الوطن، وامتزجت بترابه.
ولم تكن هذه اللقاءات والاجتماعات سوى المقدمة الطبيعية لقرار تمَّ اتخاذه بمباركة الجميع والتباري في تنفيذه، وهو التحرك النشط والفعَّال في الاتجاهات الأربعة للخريطة السورية، فكان ذاك الذي كان من لقاءات أراها بالغة الأهمية، وفي هذه اللحظة الضاغطة بالذات، مع جميع مكوِّنات هذه الأحزاب، القاعدية منها والقيادية.
لكن الأمر لم يكن له أن يتوقف عند هذا الحد، فقد كانت مسألة الثقافة الجبهوية، التي هي بطبعها وطبيعتها ثقافة فكرية وسياسية بامتياز، هي الشغل الشاغل، الذي كان، والذي هو كائن، والذي سيكون، فكانت النقاشات الأخوية والرفاقية بين هؤلاء الحريصين على تعميق هذه الثقافة وتجذيرها وتعميمها، لتغدو جزءا عضويا من الثقافة الوطنية، وكان لها أن تكون المبادرة الموفقة لتعويض ذاك الذي هو كائن من ضعف تشكو منه هذه الثقافة، ومن غيابها أحيانا، ومن تغييب في أحيان أخرى ممن مازالوا غير مجهَّزين لتقبُّل فكرة وجود الجبهة أساسا، يعيشون مرحلة ما قبل التصحيح، ومنكفئين على ذواتهم، ومتوهمين أن الحقيقة كلَّها موجودة في عقل قاصر عن إدراك كيف أن حافظ الأسد فعل في حياتنا فعلا غير مسبوق، حين دعا الأحزاب الخمسة الكبرى التي لها فعلها وتأثيرها في حياة البلاد، والتي لها قواعدها الشعبية والجماهيرية من خلال تمثيلها للتيارات الفكرية والسياسية الحاضرة في الحياة السورية، والتي تقول أدبيات الجبهة إنها الأحزاب المؤسسة، إلى حوار استمر سنة بكاملها، ليؤول في نهاية المطاف إلى الإعلان عن قيام صيغة متقدمة للعمل السياسي، حملت اسماً جاذبا هو الجبهة الوطنية التقدمية، الموصوفة بحق بإنها إنجاز نوعي سبق به القائد الخالد عصره بأكثر من عقدين من الزمن.
وأسمح لنفسي، من دون تجاوز، بأن أروي واقعة شهدتها بنفسي، وهي مجرد مثال من العديد من الأمثلة التي كنت شاهدا عليها، وقتَ أن شرَّفني حافظ الأسد بمرافقته في إحدى زياراته السياسية، والتي شملت ثلاث دول عربية دفعة واحدة، هي الجزائر وتونس وليبيا.
ففي الجزائر على سبيل المثال، فإن الشاذلي بن جديد، وكان آنذاك رئيسا للجمهورية، وجَّه إلى القائد الخالد سؤالا لافتا للنظر، حول الجبهة الوطنية التقدمية في سورية، وآليات عملها، فكان ما كان من شرح
كافٍ ووافٍ جعلت الرئيس الجزائري يقول ما معناه، إن الجزائر سوف تستفيد من هذه التجربة السورية التي وصفها بأنها تجربة مبتكرة. ثم إن هذه الواقعة، وإن بصيغة مختلفة إلى حد ما، تكررت حين قُيِّض لي أن أكون في عداد الوفد المرافق للقائد الخالد في زيارة له إلى يوغسلافيا.
أقول هذا الكلام كلَّه لأنتهي إلى نتيجة مفادها أنه لأَمرٌ غريب جدا وعجيب، أن يأتي أحدهم، بصرف النظر عن اسمه وصفته، ليكتب نصّاً تشكيكيا حول كل هذا الذي تحقق، وبعض منه هو الثقافة الجبهوية التي لا بد من تعميقها وتجذيرها وتعميمها، والتي هي الإبنة الشرعية بلا منازع لصيغة الجبهة التي لم يصنعها الدستور، وإنما هي التي، بهذا القدر أو ذاك، أسهمت في صنع الدستور الذي جاء كاشفا عن هذه الصيغة، وليس منشئا لها، وهو ما كتبته في مقال سابق. وليس الدستور الحالي ببعيد عما أقول، وإن خلا من ذكر الجبهة تحت تأثير لحظة أراها، بالمعنى التاريخي لكلمة اللحظة، وليس بالمعنى الزمني، لحظة عابرة وطارئة ومؤقتة، إن لم تكن لحظة شاذة يجوز وصفها بأنها لحظة هاربة من التاريخ.
وهل أدلّ على هذا الكلام من أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الآن الحزب الحاكم، بحكم حجمه التنظيمي، وقاعدته العددية، حتى ولو لم يكن هناك نص دستوري كمثل النص الذي كان موجودا في الدستور السابق؟.
أليس كذلك؟.

١٢ أكتوبر · تم النشر في صفحة الجبهة الوطنية التقدمية على الفيسبوك

الاثنين 18 تشرين ثاني 2019