غيض من فيض

كتب صفوان القدسي
الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي
عضو القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية:
لا يصح وصف كل ذاك الذي كتبناه ، وما زلنا نكتبه ، وسوف نظل نكتبه ، بأنه دفاع عن الجبهة الوطنية التقدمية ، فللجبهة ربٌّ يحميها . كل ما في الأمر هو أننا نحاول ، بقدر ما هو ممكن ومتاح ، صدَّ هذه الهجمة عليها ، والسعي إلى تحصينها من رمايات تأتيها من هنا أو هناك ، وكأن الجبهة تتحمل وحدها كل العيوب والنقائص التي ظهرت في حياة البلاد خلال الحرب على سورية ، وربما لأن الذين يرمونها بحجارتهم يحسبون أنها الأسهل منالا ، وأنها على مرمى حجر ممن يحاولون تحميلها من عثرات مرَّت بها البلاد ، من دون التنبه والانتباه إلى أن الجبهة امتلكت من المناعة الذاتية ، ما حال دون ظهور أمراض خطيرة عانت منها جهات عديدة أخرى ، ليس بينها الجبهة بكل تأكيد .
ومن يقرأ المشهد قراءة فاحصة ومدققة ، فإنه بالغ لا محالة حقيقة ناصعة في وضوحها ، وهي أن الجبهة بقيت سليمة ومعافاة من أمراض كثيرة أصابت غيرها ، بدليل أن أحزاب الجبهة بقيت على مواقفها المعروفة التي تمسكت بها ، ولم تتزحزح عنها . وأكثر من ذلك ، فإن هذه الأحزاب لم يصبها الوهن ولا المرض ولا العجز عن المضي بعيدا وعميقا صوب الغايات الشريفة والنبيلة التي ارتضتها لنفسها ، طوعا وطواعية .
وأستطيع ، بحكم موقعي في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي ، أن أقول بكل الثقة والأمانة ، إن هذا الحزب لم يشهد خلال الحرب حالة انشقاقية واحدة . فلا أحد من أعضائه ، على مستوى القواعد والقيادات ، ضلَّ به السبيل وأخذه إلى مكان غير المكان الذي تشبث به الحزب ، فضلا عن أن الحزب قدَّم دفاعا عن الوطن العديد من الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم ، إيمانا واحتسابا ، وكان إعلام الحزب مقصِّرا في الإعلان عنهم .
وإني لأسأل وأتساءل : لماذا تتجدد الآن هذه الهجمة المريبة على الجبهة كصيغة متقدمة للعمل السياسي حظيت بأوصاف نبيلة أطلقها عليها القائد الخالد ، وتابع دفعها إلى الأمام الرئيس بشار الأسد ؟.
وهل من أحد يسعى إلى اقتلاع هذه الصيغة من حياتنا السياسية ، ملتحقا بما فعله عبد الحليم خدام ، وقتَ أن اعتمد سياسة الخطوة خطوة ، على طريقة سيء الذكر هنري كيسنجر ، فكانت الخطوة الأولى موصوفة بالتهميش ، لتؤول في نهاية المطاف إلى الغرض المبتغى وهو التهشيم ؟.
لا أحسَب أن هناك عاقلا وحسَنَ النية والقصد ، يمكن أن يدعو ، ولو بعبارات ملتبسة ، إلى إحلال صيغة قد تكون ملفَّقة ومزوَّرة ، محل صيغة جرى اختبارها على امتداد سنوات طويلة من الزمن ، أدَّت دورها ، وما زالت تؤدِّيه بكفاءة معقولة ومقبولة ، ونكتفي بهذا الوصف حتى لا نوصم بأننا نغالي ونبالغ.
ولماذا تتم عملية استئناف التقليل من شأن الجبهة ، والتصغير من دورها وأدائها ، في وقت بدأت فيه الجبهة تظهر على الملأ ، نشطة ومتحركة وفاعلة ومؤثرة ، من خلال حركة احتلت كامل الجغرافيا السورية ، وهي حركة يمكن وصفها بأنها حركة في الاتجاه الصحيح والسديد ، سياسة وفكرا وتنظيما وفعلا وممارسة على أرض الواقع ، يخطط لها ، ويدبِّر أمرها ، اللواء محمد ابراهيم الشعار ، نائب رئيس الجبهة ، وبتنسيق كامل مع الأمناء العامين لأحزاب الجبهة ، ولكن ، وهذا هو المهم والأهم ، بدعم غير محدود من الرئيس بشار الأسد ؟. وهل من أحد ما ، غير دواعش الداخل ، له أغراض مشبوهة يسعى إلى تحقيقها من هجمته المركزة على الجبهة وحركتها النشطة؟.
ولمن يعلم ، ولمن لا يعلم ، فإني أستحضر كيف أنه ، ومنذ البدايات المبكرة لقيام الجبهة ، دعانا أحدهم إلى مغادرة الجبهة ، وكان في دعوته على عجلة من أمره ، فاستجابت القلَّة القليلة ، وامتنعت الكثرة الكاثرة عن الاستجابة ، ليتبيَّن بعد ذلك بأن من دعانا كان يراهن على سقوط الدولة السورية بفعل هزيمة كان يتوقع أن تلحق بالجيش العربي السوري ، وربما كان يتمناها .
ذلكم كله غيض من فيض . وفي جعبتي الكثير الكثير مما سوف تسنح لي قوله في أوقات لاحقة .

٨ أكتوبر · تم النشر في صفحة الجبهة الوطنية التقدمية على الفيسبوك

الاثنين 18 تشرين ثاني 2019