من حق أي مستوعب لقيمة الجبهة الوطنية التقدمية ، بصفتها صيغة متقدمة للعمل السياسي تقوم على التعددية الحزبية والسياسية التي كانت تعمل تحت الأرض قبل قيام حافظ الأسد إلى حمل مسؤولياته الوطنية والقومية ، ومدرسة لتعزيز الوحدة الوطنية ، ومنطلقا لممارسة الديمقراطية السليمة الصاعدة من تاريخنا وثقافتنا وتجاربنا وخبراتنا المتراكمة ، أن يسأل ويتساءل عما إذا كان بعض منا لم يتمكن حتى الآن من إدراك كم أن هذه الجبهة هي ملاذنا وموئلنا ، مثلما أنها الصيغة الممكنة في سورية التي تقع في موقع القلب من العالم ، والتي تستجيب لحقائق الجغرافيا السياسية ، والتي كبُرت بحافظ الأسد بأكثر مما تسمح به الجغرافيا الضيقة ، والتي يفرض عليها علم الموقع والموضع أن تؤدي دوراً قومياً متميزاً تحاول الحرب الضارية والمتوحشة إضعافه ، إن لم نقل حذفه وشطبه وإصدار حكم الإعدام عليه .
هذا السؤال وذاك التساؤل إنما تفرضهما ممارسات توحي بأن الجبهة لا تجري في بعض العقول جريان الدم في الشرايين ، ولا تسري سريان السيالة العصبية في الدماغ الحاكم بأمره في جسد الإنسان .
وقد يذهب الظن في ذلك مذاهب شتى ، من مثل أن بعضاً منا مازال محكوما بعقلية الاستئثار التي تجعل الواقع تحت تأثيرها يتوهم أنه وحده ، ولا أحد غيره على الإطلاق ، هو الذي يمتلك الحقيقة كلها في قبضة يده . حتى الذين يقفون معه في خندق واحد ، حيث معركته هي معركتهم ، وحربه هي حربهم ، ومآله هو مآلهم ، لم يسْلَموا من سلبيات هذه العقلية التي ترتد بالبلاد والعباد إلى ما قبل خمسة عقود مضت وانقضت . ودليلنا الساطع في وضوحه على أن أحدا من أحزاب الجبهة الواقفة تحت رايات الأسد وأعلامه الوطنية والقومية ، لم يتنصل من حمل مسؤولياته ، ولم يتهرب من زج طاقاته ، ولم يصب بالهلع والجزع ، ولم يتردد في تقديم الشهداء من أعضائه ، ولا تلكأ في الدفاع عن الوطن ، بقدر ما هو ممكن ومتاح ، ولو للحظة واحدة ، حتى إن طلقات العدو اختارتهم ليكونوا هدفا لها ،
وتمَّ نشر صور قياداتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ، بوصفهم ( شبِّيحة ) ومطلوبين .
وإذا جاز لي أن أجتهد قليلا في مسألة الجبهة ، في النظرية والتطبيق ، فإني واجدٌ نفسي لامحالة أمام رؤية لا أملك الفرار منها ، هي أن الجبهة ، بما لها وما عليها ، وبما يمكن تطويرها والارتقاء بمستوى أدائها ، مؤسسة وأحزابا ، هي الصيغة الوحيدة الممكنة في سورية الأسد .
هاتوا لي بصيغة أخرى للعمل السياسي ، صاعدة من أرض الواقع ، وليست محلِّقة في فضاءات الأوهام ، بل وحتى التمنيات ، ولا هي منقولة أو مستوردة أو مستعارة ، غير صيغة الجبهة الوطنية التقدمية .
أليس في إضعاف الجبهة إضعاف للوطن ؟.
أليس في الرهان على ما لا يُراهن عليه ضرب من الخيال ؟.
أليس في تصليب حلفائك وتقويتهم تصليب لك وتقوية ؟.
تلكم أسئلة تستدعي إجابات .
وفي ذلك فيتفكَّر المتفكِّرون .

صفوان القدسي

عضو القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية

الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي

الأحد 15 كانون أول 2019